القاضي رائد جوحي
القاضي رائد جوحي
الجريمة المنظمة وتطورها في العراق
تاريخ النشر:10/07/2016
عدد المشاهدات 452
 عرفت المجتمعات الجريمة كسلوك خارج عن المألوف ثم تناولتها الشرائع عبر امثلة وتعاريف مختلفة غير ان اغلب تلك التعاريف ان لم تكن جميعها تدور حول فكرة بسيطة مفادها ان الجريمة سلوك مخالف للقانون، فبعد بعد الحرب العالمية الثانية تطورت الجريمة بشكل ملفت للانتباه اذا ظهرت جرائم لم تكن معروفة سابقا مثل الجرائم ضد السلم ، ضد البشرية ، وجرائم ابادة الجنس البشري والجرائم المنظمة على مختلف انواعها التي تتسم بالتخطيط والتنظيم قبل ارتكابها ، يلاحظ ان اغلب الجرائم الدولية او الخطيرة تتسم بالطابع الجماعي. اي ترتكب من قبل جماعة ومنها لأسباب ربحية ومنها لأسباب ايديولوجية ومنها جرائم ترتكبها جماعات او منظمات كجرائم الارهاب والجريمة المنظمة ، غير ان الظاهرة الاجرامية التي يكون خلفها جماعات معينة تستخدم العنف اساساً لنشاطها الاجرامي وتهدف الى تحقيق الربح تسمى بالجريمة المنظمة،والتي يمكن ان تتخذ من الإقليم الوطني او عبر الوطني صعيداً لذلك النشاط كما انها تكون مرتبطة بمنظمات دولية مختلفة. وهي تتميز عن الكثير من الجرائم ذات الطابع الجماعي ، كما ان الجماعات او المنظمات التي ترتكب الجريمة المنظمة تختلف عن غيرها من المنظمات التي تلجا الى نفس الوسائل والأساليب التي تستخدمها جماعات الجريمة المنظمة التي تعمل بدافع ايديولوجي وتعتبر اهدافها مختلفة كلياً لذلك يمكن القول ان الجريمة المنظمة " سلوك ترتكبه مجموعة تضم اكثر من شخصين ، لها تسلسل هرمي وتنظيم دقيق ومعقد ، تهدف الى تحقيق الربح من خلال اشاعة العنف ، كما ان الجماعات التي ترتكب هذا النوع من الجرائم تعتبر اكثر الجماعات تعقيدا وتنظيما كونها ترتكب جرائم ليست عادية بغية تحقيق اهدافها لذلك نجد ان العلاقة ترابطية بين الجريمة المنظمة وجرائم الفساد .
فان الهدف الاساسي في الجريمة المنظمة هو الربح المالي غير المشروع ، وان الاحتفاظ بالقدر الكبير من الارباح لايتأتى الا اذا تم تمويه مصدره من خلال عمليات غسيل الاموال التي اضحت تشكل اليوم نشاطا حيويا لجماعات الجريمة المنظمة سواء كانت وطنية او عابرة للوطنية حيث يسمح بالابقاء على المنظمة وتوفير رأس المال اللازم لعملها وتدعيم قوتها ونفوذها من اجل تحقيق الثروة والامن، وان غسيل الاموال كجريمة لايتحقق الا من خلال نشر الفساد الاداري والمالي والسياسي في مفاصل موؤسسات المنطقة التي تنتشر فيها الجريمة المنظمة وذلك من خلال اسلوبين اساسين الاول هو الفساد المؤسسي يكون من خلال افساد المسؤولين الحكوميين الذين ليدهم نفوذ في مؤسسات الدولة ويركز على كبار المسؤولين و الجهات المسؤولة على تنفيذ وتطبيق القانون ، اما الاسلوب الثاني هو الفساد العملي الذي يتعلق بأهداف محددة وانتهازية مثل ابتزاز بعض اصحاب المشاريع . 
ان التعامل مع قضية الفساد يستلزم التفرقة بين فساد رؤساء الدول والاحزاب وكبار المسؤولين من ناحية وفساد صغار الموظفين من ناحية اخرى ، كما يستلزم وضع اليات لمواجهة هذا الفساد الذي اصبح يشكل ظاهرة تعصف بالبلاد وتنتشر في اغلب مفاصله وهذا واضح من خلال تقارير هيأة النزاهة والشفافية الدولية. ففساد صغار الموظفين يمكن ان يعالج من خلال آليات الدولة القانونية والإجتماعية وتكون للحكومة فرصة كبيرة بوضع تلك الاليات والمعالجات. اما فساد قيادة الدولة فيحتاج تظافر جهود كبيرة داخل الحكومة اضافة الى التعامل بالية مع ذلك الموضوع دولياً كون ان استثمارات كبار المسؤولين تكون عادة خارج حدود البلاد لذلك فان مسألة محاربة الفساد قد تحتاج الى تدخل مؤسسات المجتمع الدولي في بعض الاحيان. 
فان للفساد على المستويين المذكورين اثار سياسية كونه يؤدي الى اضعاف مؤسسات الدولة واقتصادها اذ يجعل اصحاب رؤوس الأموال غير المشروعة جزء من الخطة الاقتصادية ، اما اجتماعياً فأنه يعيد توزيع الثروة ويكرسها بيد طبقة محددة ويساعد على سوء استخدام السلطة كونه مرتبط بها، وبالتالي يهدم التطور السياسي والإقتصادي والإجتماعي في البلاد كما انه يعطل المسيرة الديمقراطية. 
ومن اهم صور الجريمة المنظمة "غسيل الاموال والفساد الحكومي " ومن الملاحظ ان جريمة غسيل الاموال لا تتحقق إلا من خلال اختراق الاسواق المالية المشروعة والسيطرة على القطاعات الاقتصادية الوطنية التي تتعامل مع المال كسيولة او من خلال المادة العينية، خير مثال على ذلك ما يجري في عمليات الصيرفة المالية للعملات الاجنبية كونها تبييض الأموال غير المشروعة بسرعة كبيرة لذلك نجد جماعات الجريمة المنظمة تحاول الوصول والسيطرة بشكل كبير على هذا القطاع لتغطية اعمالها كما ان اضافة الى تبييض الاموال فإنها تهدد النظام المالي الوطني وذلك لان هذه الجماعات تقوم بعد ذلك بالتواجد بالمشروع والمعلن داخل المجتمع الاقتصادي اذ يزداد نشاطها الاقتصادي بشكل متنوع وبطريقة سلسة بعيداً عن العنف حيث تحقق عدة مزايا في وقت واحد وكما يقول المثل تضرب عدة عصافير بحجر واحد. هذه الجماعات بعد تبييض الاموال ودخولها النشاط الاقتصادي تحقق الربح بطريقة بعيدة عن العنف و الابتعاد عن التنازع مع الرأي العام و اختراق النشاط الاقتصادي الوطني وإفساده وأخيرا التحول من خلال المال الى مراكز النفوذ السياسي والاجتماعي في البلاد ، من هنا تكمن خطورة جريمة غسيل الاموال وارتباطها بالجريمة المنظمة . 
اما النوع الاخر من الفساد هو الفساد الحكومي ويكون هذا النوع داخل مؤسسات الحكومة ويأخذ ثلاثة اشكال " تنفيذي وسياسي وبيروقراطي"؛ وقد يكون كل منهم مستقلاً عن الآخر ويمكن ان يكون هنالك تلاقي في بعض الحالات فالفساد السياسي يكون عادة خارج اطار العمل الحكومي ويرتكب من قبل الجماعات المنظمة في قوانين الانتخابات وإيصال بعض الاشخاص الى سدة البرلمان او السلطة التنفيذية من خلال التلاعب بنتائج الانتخابات من اجل الاستفادة من هذا النفوذ مستقبلاً ، اما البيروقراطي، فكما هو واضح من خلال تسميته يعتمد الاسلوب البيروقراطي في عرقلة الأعمال، اما التنفيذي وهو لايقل خطورة عن الفساد السياسي ان لم يكن في المقام الأول ويقع من قبل القابضين على السلطة ، اذ تعد الرشوة النمط الكلاسيكي لهذا النوع من الفساد سواءً كانت معروضة من قبل الجماعات المنظمة أو مطلوبة من قبل المسؤولين انفسهم ويرتبط إما بعقود حكومية ، حيث تقوم تلك الجماعات ومن خلال نشاطها الاقتصادي بعرض الرشوة من اجل جعل المسؤولين الحكوميين الموافقة على اسناد الاعمال او الخدمات الى شركاتهم. او الضرائب ، حيث تستعمل الرشاوى في كثير من الاحيان لتقليل الضرائب التي تستحصلها الحكومة من الأطراف او الرخص كالحصول على رخصة استغلال ارض زراعية وغيرها كالاستيراد او التصدير ، وان اخطر سبل الفساد هو الفساد المنظم الذي ترتكبه الجماعات المنظمة، اي كل صورة من الصور المبينة اعلاه تكون بمفردها جريمة فساد وغير انها اذا ما تلاقت خيوطها جميعاً ليدعم بعضها البعض فان هذا الفساد يسمى بالفساد المنظم وهو الذي يمكن ان يسمى ايضاً بالجريمة المنظمة، حيث تسعى هذه الجماعات الى تلاقي تلك الخطوط لتحقيق اهدافها التي بينها وهي الربح.